المارونية السياسية وبدعة "الديمقراطية التوافقية" ...!!...

جورج حداد

 

تنشط فضائياتنا الناطقة بالعربية، هذه الايام، بالحديث المطول المفصل عما ينتظر لبنان واللبنانيين، من ايام عاصفة واضطرابات قاصفة، بسبب ان مجلس النواب اللبناني اقدم على تعديل الدستور ومدد للرئيس اميل لحود فترة رئاسته ثلاث سنوات اخرى! وفي نظر فضائياتنا المعروفة، المدارة من قبل شركات اعلامية اميركية وخبراء، اذاعات موجهة، فان خطوة مجلس النواب هذه، تعتبر استفزازا لكل من الولايات المتحدة الاميركية وفرنسا، وعدد من الدول الاعضاء في مجلس الامن الدولي الذي سارع الى توجيه ما يشبه الانذار لدمشق وبيروت، من مغبة الاقدام على تمديد رئاسة لحود!! ومع ان مثل هذا "الانذار" اللاشرعي واللاحقوقي، فضلا عن كونه يتناقض كليا مع ميثاق الامم المتحدة نفسها، الا انه كان موضع ترحيب بل تهليل من قبل بعض الحركات والاحزاب والشخصيات الطائفية التي لم يشهد تاريخها الا.. بجني الحصاد الكبير من الويلات والكوارث على لبنان واللبنانيين!!

مثل هذه الحركات والشخصيات، لو كانت مترفعة عن الهوى والمرض، كان يفترض ان تستغل هذا التهديد الخارجي الذي جاء على شكل قرار مجلس الامن رقم ،1559 لكي تثبت اخلاصها للبنان، وحرية القرار اللبناني، ولكنها.. بدلا من ذلك، راحت تبرر للاستعماريين الطامعين، تدخلهم الخارجي وتهديداتهم، بل تستقوي على منافسيهم اللبنانيين بقوة الاستعماريين وقدرتهم الغاشمة على العبث بارادة الدول واستقلالها.

كما حصل ويحصل في افغانستان والعراق!! بل ان الرئيس اللبناني الاسبق المتضرر الذي لا يحلو للفضائيات الناطقة بالعربية الا استضافته على شاشاتها، لكي يتهجم على الرئيس لحود، اخذ يبشر اللبنانيين، بأن ثمة توجها عالميا جارفا لا يمكن وقفه او الوقوف بوجهه، غايته تغيير اوضاع الشرق الاوسط وتغيير خرائطه دولا وشعوبا!!

والغريب في أمر الجميل والبطريرك صفير وغيرهما من رموز المارونية السياسية، ذات التاريخ، المطلخ بالدماء والمآسي والتجارة بارواح العباد ومرافق البلاد، ان للديمقراطية، في قاموسهم، مدلولا جديدا لم يعرف له مثيل في الدنيا، وهي.. ما يسمونه.. الديمقراطية التوافقية! ويقصدون بذلك، ان يكون الموارنة هم اسياد لبنان وحكامها واصحاب الحل والعقد في كل ما يتصل بلبنان واللبنانيين!!

هذا يعني ان المقصود بالديمقراطية التوافقية، هو ان يكون لكل طائفة نصيبها المتفق عليه من كعكة الحكم بغض النظر عما اذا كان اتباع هذه الطائفة، كثرا او.. قلة!! واذا كان بعض التوافق قد حصل في الماضي بين بعض دهاقنة السياسة وشركاتها وقضى بأن يكون رئىس الجمهورية مارونيا، ورئيس الوزراء سنيا ورئيس مجلس النواب شيعيا، فيجب الا يطرأ على هذا التوافق، شيء من التعديل او التغيير!!

وبالرغم من ان هذا التوافق الذي اطلق عليه "الميثاق الوطني" عام 1943، لم يجر على لبنان الا المصائب والمآسي والاقتتال والتنافس المسعور على مغانم الحكم والسلطة، الا ان تجار الطائفية وامراء الاقتتال، ظلوا حتى هذا اليوم، مصرين علي التمسك به واعتباره خطا احمر لا يجوز تجاوزه والا.. انهار لبنان بانهيار التوافق او.. المحاصصة الطائئفية!!

والديمقراطية التوافقية، في نظر المنادين بها، قد تعني المحاصصة الطائفية وقد تعني كل ما يخطر بالبال باستثناء كونها ديمقراطية مما هو مألوف ومتعارف عليه في جميع انحاء الدنيا!! هناك ديمقراطية تمثيلية، وهي ان يكون لكل عدد من المواطنين وممثلون منتخبون عنهم..

وهناك.. الديمقراطية التعبيرية، وهي تلك التي ينهض فيها عدد من المواطنين يكونون اكثر من غيرهم وعيا وفهما لفلسفة الدولة، فيوليهم المجتمع، امر قيادته وتخطيط سياساته وهناك ديمقراطيات اخرى، لكن كلها يجب ان تكون خاضعة، بالجوهر او بالمظهر لمبدأ ان الشعب يجب ان يحكم نفسه ويقرر مصيره. والشعب، هنا، تعني الشعب كله بجميع طوائفه واعراقه و عناصره بشرط تحقيق عنصر المساواة بينهم!!

ومشكلة المارونية السياسية وغيرها من تجار المذاهب والنعرات الفئوية، انهم.. بالنسبة الى طوائف اخرى، اصبحوا قلة عددية، ومع ذلك.. فهم لا يتخلون عن مطلبهم في الهيمنة على لبنان والتحكم بمقدراته!!