كمال خير بك

قدموس

                    

البركان

قصائد قومية

 

 

الاهداء

الى الذين لم توقظ نفوسهم بعد،

حَرارَة البركان!

قدموس

 

"في قناعتي الشاعر غير الحاضر في جمهوره الحاضر هو شاعر غير موجود... والعودة إلى الكتابة الشعرية العمودية ظاهرة طبيعية جداً. وحضور الشعر العمودي ووجوده كنمط أمر ضروري لانه يصب في اطار التنوع. فكل مجتمع غير متنوع هو مجتمع محدود ولا قيمة له، أو لعل الذات تكون في هذا النمط حاضرة وفاعلة أكثر من أي نمط آخر. فللشعر الكلاسيكي جماليته القائمة والمتميزة، كذلك للشعر الملتزم بالوجود الفردي وبالشخصانية الوجودية... الخ. وفي كل حال لا يمكن الغاء الاهمية الجمالية. لكل نوع من انواع الشعر".


 

 

 

هذي جراحي.. كل جرح يرتمي

درباً لهّبة جيشنا الهدار

 

ان قطعوا مني يميني أسرعت

لتعيد ملحمة النضال يساري

 

سأظل اشعل للكفاح قصائدي

واقود، في جمر اللظى تياري

 

وعلى صليب الشعب أرفع جبهتي

ما هم جسمي قسوة المسمار

                           قدموس


 

 

 

الجدار الاخضر

"ألقيت في حفلة تخريج طلبة مدرسة بشمزين العالية في الكوره صيف 1959، وقد بدأها الشاعر بهذه الكلمات:

"في بداية السنة... قال لي الشاعر يوسف الخال، عندما علم أنني سأدرس في بشمزين: "احذر من الكوره... فكل من سكنها عشق فيها".

أجبته يومها: "لا تخف انني أختلف عن غيري". والان... أخشى أن يقاضيني الحساب.. لانني لم أعشق واحدة من الكوره فحسب.. بل عشقت الكوره كلها.

في حدائق الكوره الجميلة، كانت "بشمزين" حديقتي المفضلة.. وكان هذا المعهد الزهرة الاجمل في الحديقة الاجمل.

التدريس ليس مهنتي الدائمة، ولن يكون. لكنني فخور وسعيد بالاشهر القليلة التي أمضيتها في هذا المعهد الصغير بمظهره، الكبير بما يقدم ويعطي..

فخور بالاحرف التي زرعت، والبراعم التي تنمو وتزدهر بين يدي.

وسعيد بعملي الى جانب جنود، كانوا يقاتلون معي في معركة الكلمة المقدسة.

الطالبة، أو الطالب الذي يحمل شهادته الان ويتركنا، يمثل لنا صورة مضيئة عن الجيل الجديد.. الذي نحيا على وعده، ونرى فيه انقاذ الامة، واستعادة مكانتها الاولى تحت الشمس. فالى هذا الجيل هذه القصيدة:

 

 

غرد على قلمي.. على قيثارتي

اني أحسك في صدى أشعاري

 

لهبا.. وعاصفة تثور.. وصيحة

تجتاح قلب الشعب كالاعصار

 

غرد ففي صدري شراع جائع

يشتاق أن يلوي عناد الصاري

 

أنا لا أطيق الصمت.. فاصرخ في فمي

يا زارع البركان في أوتاري

 

اني أغص مع الهتاف.. و تنحني،

في لوعة الذكرى، غصون الغار

 

هذا الجدار.. وخلفه لي قصة

خرساء تكتمها حجار الدار.

 

هذا الجدار.. يضم بعض هزيمتي

وتشردي.. وتمزقي.. واساري

 

هذا الجدار.. تنام فيه جحافلي

وغداً تفيق على نداء الثار

 

مهلا.. اذا مات السكون على يدي

وانهار في زحف الجيوش جداري

 

ستطل من هذا العرين براعمي

وتقوم تهزأ بالردى أزهاري

 

أشبال هذي الدار.. بعض عواصفي

وزئيرهم شعري، و لحن كناري

 

لن يركعوا تحت الظلام وان طغت

خلف الظلام خناجر الاشرار

 

لن يركعوا.. والحرف في أقلامهم

من جمر ملحمتي وضوء نهاري

 

*

من أرض "بشمزين" لي أسطورة(1)

عبأت منها أكؤسي وجراري

 

وأخذت أشرب.. لا قيود تصدني

عنها، ولا صوت الغراب الضاري(2)

 

أحرقت فيها عتمتي وصوامعي

وفرطت مسبحتي.. وبعت سواري

 

وبدأت أرسي في "الصنوبر" زورقي(3)

وأقيم مينائي.. وأرض مطاري

 

ما زلت أشرب.. والضفادع عربدت

حولي، ورجع نقيقها الثرثار

 

كالموجة انحسرت.. وذاب غرورها

 تكسرت عن صخري الجبار

 

لا حقد يربض في فمي أو ساعدي

لكنني ان قلت، لست أداري:

 

الظامئون.. لهم دمي و محبتي

والجائعون، فتات لحمي العاري

 

الحاسدون.. الجارحون روايتي

الحاقدون.. الناهشون ستاري

 

لن يخمدوا حبي ونار ألوهتي

لن يطفئوا مجدي ونور مناري

 

هذي الصواعق للخلود.. وللردى

صوت الذئاب وعتمة الاسوار

 

هذا الضجيج يموت خلف مواكبي

هذا الفحيح يضيع بين غباري

 *

من أرض "بشمزين" أنشر رايتي

وأسير: حب الموت بعض شعاري

 

فأنا هنا.. وهناك صرخة ثائر

وهدير عاصفة.. ونبع دمار

 

للغاصبين .. الغادرين بأمتي

السارقين كرامتي وغماري

 

من فرقوا شملي وشمل أحبتي

من مزقوا لحمي و لحم صغاري..

 

بالصخر.. بالطوفان.. بالدم.. بالردى

بزلازلي.. بصواعقي.. بالنار

 

سأرد عن هذا التراب نيوبهم

وأزيح عن شعبي رداء العار

 

ان شوهوا أمسي.. ففي مستقبلي

شمس تبدد ظلمة الاثار

 

ان قطعوا مني يميني.. أسرعت،

لتعيد ملحمة النضال، يساري

 

هذي جراحي.. كل جرح يرتمي

درباً لهبة جيشنا الهدار

 

سأظل أشعل للكفاح قصائدي

وأقود، في جمر اللظى، تياري

 

وعلى صليب الشعب أرفع جبهتي

ما هم جسمي قسوة المسمار!!

 

 

(1) اشارة الى قصة حب كانت للشاعر في هذه البلدة.

(2) واجه الشاعر حملة عنيفة من بعض الرجعيين، لانه يريد الزواج من مسيحية يختلف مذهبه عن مذهبها .. في تذكرة الهوية

(3) الصنوبر: غابة شهيرة في بشمزين.. كان الشاعر يلتقي مع حبيبته فيها.


 

 

 

نهر الغضب

 ألقيت في 16 تشرين الثاني 1977 في قاعة سينما اورلي - بيروت بمناسبة الذكرى السادسة والاربعين لتأسيس الحزب السوري القومي الاجتماعي .

نهر من الدمع. أم نهر من الغضب؟

من أيقظ الجرح في صدري وفي كتبي

 

مرت قوافلكم في الليل فاختلجت

أوتار حزني في أعماق مغتربي

 

غنيتكم زمناً كان الغناء به

يحلو، وتشتعل الدنيا على خطبي

 

جاد الزمان ولم يبخل بنعمته

فشاب صوتي وجرحي بعد لم يشب

 

وغاب شعري عن أعراس ساحتكم

لكن ناري لم تخمد ولم تغب

اليوم أرجع والاجراس ساهرة

بين المقابر، والانقاض، والخرب

 

أعود نحوكم من بعد ما عبرت

قوافل الحزن والالام والغضب

 

خمسون عاماً وما زالت جراحكم

تسقي الرمال بلا شكوى ولا عتب

 

خمسون عاماً. تكاد الارض تسألكم:

لقد تعبت، أما تشكون من تعب؟

 

هيا اقرأؤا دمكم، تعلو فصاحته

على الخطابة والاشعار والادب

 

أدعو الحجارة أن تصغي لضجته

وتستفيق، فمن يسمع ومن يجب

 

لبنان كنت لنا تصغي وتسمعنا

وتعشق المطر الموعود في سحبي

 

وكنت تعرف ان الخبز من جسدي

والخمر من دمي، لا من سارق العنب

 

لبنان أرزك محصود لعاشقه

وعاشق الارز رب ثائر ونبي

 

في القدس يصرخ: ان الصالبين أتوا

ليصلبوا شعبي المعمود باللهب

 

بالامس قالوا: غصون الارز قد رحلت

لتستجير بجزار ومغتصب

 

لبنان أرزك يأبى أن يقول: بلى

للباحثين، لصلب القدس، عن خشب

 

فالارز والنخل والزيتون عائلة

مهما يكبر فيها ناكر النسب

 

الارز والنخل والزيتون معتنق

رغم العواصف والانواء و السحب

 

والارز يعرف: لا مجد يظل له

الا اذا ظل في بستانه العربي

 

يا شعر مهلك! ها نفسي تذوب، وها

أذني تحار، وأوهامي تغرر بي

 

عن أي بستان مجد جئت تخبرني

تكاد تدهشني من شدة العجب:

 

بالامس قالوا: غصون الارز راحلة

لتستجير بجزار ومغتصب

 

واليوم قيل نخيل النيل قد ركعت

قاماته السمر تحت الظلم والخطب

 

وقيل لي: ان للباقين دورهم

في رقصة العار، يا أمجادنا انتحبي

 

كنا على الفقر تروينا كرامتنا

واليوم نعطش في بئر من الذهب

 

حاشا العروبة، في بستانها زهر

يجدد الشجر المنذور للحطب

 

في كل برعم زهر وعد عاصفة

فالريح ان لامسته مرة يثب

يا شعر مهلك ! هل تحتال ثانية

على خيالي، كأني جاهل وغبي؟

 

.. أما سمعت بأن الصفقة انعقدت

وأن أرضي رهن العرض والطلب؟

 

أما سمعت: لصوص الشعب قد سرقوا

حتى التراب وما في الترب من عشب؟

 

أما سمعت بأن البائعين أتوا

ليقبضوا ثمن الاجراس والقبب؟؟

 

يا قدس عفوك.. صك البيع مهزلة

بلا رصيد سوى التهريج والكذب

 

يا قدس عشاقك الاحرار ما سجدوا

الا لاسمك رغم الدمع واللهب

 

باعوا دماءهم كي يشتروا وطنا

ولم يساوم لهم جرح ولم يخب

 

هم مالك الارض لا السادات مالكها

ولا سواه من الازلام واللعب

 

فليذهبوا.. صفقة الاذلال باطلة

وليرقصوا كيفما شاؤوا من الطرب

 

حسابنا مقبل: والليل مملكة

للخائفين على التيجان والرتب

 

يأتي الصباح.. وندري كيف نقطعها

يد الموقع باسم الشعب والعرب


 

 

 

أغاني البركان

"قصائد الحب في شعري ليست كثيرة. سأكتفي بنشر بضعة نماذج منها في هذه المجموعة".

 

  

 

نصفي الاخر

"في النهضة.. لم تعد المرأة الهة ولا عبدة . صارت نصفاً متمماً للرجل"

 

سألتني احدى الصديقات : كيف تريد حبيبتك ؟

قل أريدها: 

سرابية الخطو.. مستعجله

تمون قلبي أحاجي

وتملؤه أسئله.

تجيء كنسمه

وتمضي كنسمه

فتترك شوق المكان لهيباً..

وتشرب اسمه.

عجينية الشكل.. لا ترتدي

مصيراً معين

تصير كما تشتهي

تصير كما أشتهي

نبيذاً بكأسي

وضوءاً بيأسي

ودرباً جميلا مزين

غدائرها الهاجمات كنقمه

كشلال عتمه

كنهر حكايا عتيقه

كسور حديقه

تمرع في هبة عاصفه

فثمة عروه

وثمة دروه،

أخبىء عيني فيها..

لاسرقها لمحة خاطفه

فأعرف مشتل حبي

ومن أين يرضع قلبي

وأين يحط جناحي

ومن أي بركة وحي..

يهل صباحي.

تريد كثيرا..

وتحكي كثيرا:

تريد حليب السنونو

وتسأل ما لا يكون

تقول: اعتصرني

تقول: اختصرني

على الدرب زهره..

على الشط صخره..

وخلف صقيع المساء

سراجاً وجمره.

تقول: انسفح في وجودي بدايه..

 

ومعنى وغايه

وصر في لساني

رضاباً، وعطراً، وكلمه

ودفق أغاني

وصر فوق ليل الزمان..

 

شراعاً ونجمه

وكن في خمولي

يداً تعمر

وفأساً.. وشبابة تهدر

وخفقة لحن بطولي.

تقول: وكن في ذهولي

دماء تخف

وجفنا يرف

وقلباً كبيراً يدق.. ومقله

وحبة قمح.. وشتله

تفج التراب، وتنمو،، صبيه

وتثقب صدر السماء..

وتقعد فوق جبين النجوم.. نبيه

تقول: تعال نسو الخريف ربيعا

ونرجع ثغر الجمال، الفطيم، رضيعا

ونجعل كل شموس الزمان..

قطيعاً قطيعا

نهش عليها..

بألف نداء وقلب

 

ونمشي اليها..

بغير جناح ودرب

فنقطف منها غدا مرمريا

ولحنا غنيا

وعمراً وضيء السنا، سرمديا

.. وأنسى كياني

لبضع ثواني

وأنت تغز التفاتك فيا

وأشعر أن الوجود أسير لديا

لان الصباح يغرد في مقلتيك.

وفي مقلتيا!!

 

 

 

 

 

الصفحة الرئيسية

www.ssnp.com